يوسف المرعشلي
1236
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
المواعظ المؤثرة فيبكي الحاضرين ويبكي ، وحاز بها شهرة واسعة ، ومما له صلة بحياته العلمية أنه لما ورد فاس ألّف الشيخ عبد الحيّ الكتاني باسم المترجم فهرس اسمه « الفجر الصادق في إجازة الشيخ الصادق » في نحو الست كراريس وفي « دليل مؤرخ الأقصى ص 144 » في نحو كرّاسة عدّد فيه مشايخه ، ثم إسناد الكتب الستة والمسانيد الأربعة ونحوها من الكتب الرائجة ، ثم إسناد الفقه المالكي ، وإسناد كثير من الفهارس على حروف المعجم ، وهو ثبت نافع أجمع ما صدر عن مؤلفه وأفيد في بابه ، وختمه ببعض الإنشادات والوصايا ( فهرس الفهارس 2 / 280 ) . وعندما تأسّس الحزب الحرّ الدستوري عام 1337 / 1918 انتسب إليه ، فكان يتردد على نادي الحزب بنهج إنكلترا ، وكان عضوا باللجنة التنفيذية للحزب في الوقت الذي كان غيره من العلماء لا يتظاهرون بالانتماء إلى حزب المعارضة لسياسة الحكومة ، وهو أول من طالب الحكومة بإعطاء الدستور التونسي ، وذلك بمخاطبة ممثّل الحكومة الفرنسية بتونس ( نائب المقيم العام إيتيان فلندان ولنائب اسمه دي كاسيون ) ثم بمخاطبة الملك ، وبعد مخاطبة ممثّل الحكومة الفرنسية بتونس لم يبق إلا مشافهة ملك البلاد ، وقد وقعت محاولات كثيرة واجتماعات متعددة لتنظيم القيام بمخاطبة الملك ، وأخيرا استقر الرأي على تكوين وفد يشتمل على مختلف الطبقات من الشعب ، وأسندت رئاسة هذا الوفد للمترجم له ، وإثر صلاة العصر قصد الوفد القصر الملكي بالمرسى وذلك يوم الجمعة 2 شوّال 1338 / 18 ( جوان ) حزيران 1920 ، وألقى صاحب الترجمة خطابا طالب فيه منح الشعب مجلسا تشريعيّا يتكوّن أعضاؤه بالانتخاب الحر ، وذكر أن المشير الثاني محمد ( بالفتح ) باشا باي والد الملك هو الذي منح الشعب دستورا كان مناسبا لذلك العصر ، وبعد الانتهاء من الخطاب سلّم إلى الملك عريضة ممضاة من آلاف التونسيين ، وبها بيان جملة المطالب التي يرغب الشعب من الملك إنجازها . والاستعمار لا ينظر بعين الرضا والاطمئنان إلى اتصال أيّ وفد بالملك ، وتقديم المطالب له ، فدبّر مبرّرا لعقاب رجال الوفد من المتوظفين ، وهو أنهم قابلوا الملك بدون حضور الوزير الأكبر ، فكان عقاب المترجم وزميله الشيخ عثمان بن الخوجة الإيقاف عن مباشرة التدريس لمدة ستة أشهر من أواسط شوّال 1338 إلى أواسط ربيع الثاني 1339 من غرّة ( جويلية ) - تموز إلى موفى ( ديسمبر ) - كانون الأول 1920 ، وبعد انقضاء مدة الإيقاف دخلا إلى جامع الزيتونة في 11 ربيع الثاني 1339 / 3 ( جانفي ) - كانون الثاني 1921 ، ووقع لهما اقتبال عظيم من التلامذة ، وانعقد موكب تحت المعلقة قرب باب الشفاء ، وألقى كثير من التلامذة خطبا في الترحيب بهما منهم حسن السيالة ، وعبد الرحمن اليعلاوي ، ومحمد معلّى ، وبعد أيام قليلة شرعا في مباشرة التعليم . وكان المترجم على صلة طيبة بالأمير محمد الحبيب باي قبل تولّيه الملك ، وبعد تولّيه الملك سمّي المترجم قاضيا في شهر شعبان 1341 / 1923 ، وقد حاول المقيم العام لوسيانسان التأثير على الباي للعدول عن رأيه في إسناد القضاء له ، ورام إقناع الملك في توظيف المترجم حاكما بالمجلس المختلط العقاري لكن أبى الملك ذلك . كان في مدة قضائه دؤوبا على العمل ، نشيطا فصل كثيرا من القضايا الاستحقاقية المتجمدة ، وكان صارما عادلا لا يداري ، وكان في أول أمرة صديقا لوزير العدلية الطاهر خير الدين ، ثم توترت العلائق بينهما لمحاولة الوزير التداخل في سير القضايا وبالخصوص ما كان منها خاصّا بأتباعه المقرّبين لديه ، ولما توفّي الملك محمد الحبيب خلا الجو لدسائس هذا الوزير ، ونجح في حمل الباي الجديد على عزله من القضاء في ذي القعدة 1347 / 1929 ، وبقي في القضاء مدة سبعة أعوام ، وبعد عزله لازم بيته منعزلا عن الحياة العامة ، وبعث إليه الشيخ محمد شاكر من صفاقس بالأبيات التالية : اللّه قد صرف القضا * وحبا الجميل على الرضا إن زال سلطان الولا * ية لم يزل مجد أضا واللّه يعلم ما يكن الصد * ر ممّا قد قضى وبعد إعفائه من خطة القضاء حاول بعض الفضلاء